
مبادرة القطرة بقطرتين
القطرة بقطرتين
مقدمة المبادرة
أصبحت المياه في سوريا واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بالحياة اليومية والاستقرار وجودة الخدمات. فبعد سنوات من تضرر البنية التحتية وتراجع قدرات شبكات المياه والصرف الصحي جاءت موجات الجفاف وانخفاض الهطولات وتراجع مصادر المياه لتضيف ضغطاً جديداً على مورد يعاني أصلاً من محدودية شديدة.
وتشير بيانات حديثة إلى أن إمدادات المياه في سوريا انخفضت بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل النزاع وأن توافر المياه أصبح أقل من 700 متر مكعب للفرد سنوياً وهو مستوى يقع بوضوح ضمن نطاق الشح المائي. كما أن أكثر من نصف السكان لا يحصلون على خدمات مياه وصرف صحي ونظافة بالمستوى الكافي.
وقد أصبح أثر هذه الأزمة ملموساً بصورة أكبر خلال صيف 2026 عندما شهدت مناطق سورية متعددة انقطاعات متكررة للمياه وتراجعاً في ساعات الضخ واضطرت أسر إلى الاعتماد على الصهاريج أو تخفيض استهلاكها إلى الحد الأدنى. وتشير بيانات مسح حديث إلى أن 57% من الأسر المشمولة بالمسح تعرضت لانقطاعات في مصدرها الرئيسي للمياه خلال الأشهر الثلاثة السابقة بينما عانت نسبة منها من انقطاعات متكررة بصورة شبه مزمنة.
من هذا الواقع تنطلق مبادرتنا القطرة بقطرتين بفكرة بسيطة:
قبل أن نبحث دائماً عن مصادر جديدة للمياه يمكننا أن نستخدم جزءاً من المياه المتاحة بطريقة أكثر كفاءة وأن نعطي بعض المياه المستخدمة حياة ثانية
تهدف المبادرة إلى تطوير ونشر حلول تسمح بجمع المياه الرمادية الناتجة عن الاستحمام والمغاسل والغسالات ومعالجتها بصورة آمنة ثم إعادة استخدامها في أغراض لا تحتاج إلى مياه صالحة للشرب مثل تغذية خزانات المراحيض وري الحدائق والمساحات الخضراء وبعض أعمال التنظيف.
وبذلك يمكن للمنزل أو المبنى أو المدرسة أو المنشأة أن يتحول من مجرد مستهلك للمياه إلى وحدة تساهم في إدارة مواردها وترشيد استهلاكها.
المشكلة
نعاني اليوم من فجوة متزايدة بين كمية المياه المتاحة والطلب الفعلي عليها.
ولا ترتبط المشكلة بنقص المصادر الطبيعية وحده بل بمجموعة عوامل متداخلة تشمل الجفاف وتراجع الهطولات وتضرر شبكات المياه ونقص الطاقة اللازمة للضخ وضعف قدرات المعالجة والصيانة وارتفاع معدلات الهدر.
وفي الوقت نفسه ما يزال النموذج السائد في معظم الأبنية يقوم على استخدام المياه الصالحة للشرب في جميع الاحتياجات المنزلية تقريباً ثم التخلص منها بعد استخدام واحد فقط.
فنستخدم المياه عالية الجودة للشرب والاستحمام والغسيل ثم نستخدم المياه بالجودة نفسها مرة أخرى في خزانات المراحيض والري والتنظيف بينما يتم تصريف مياه المغاسل والاستحمام والغسالات مباشرة إلى شبكة الصرف رغم أن جزءاً كبيراً منها يمكن معالجته وإعادة استخدامه بأمان في هذه الأغراض.
وهنا تحدث خسارة مزدوجة:
نستهلك مياهاً نظيفة في استخدامات لا تحتاج إلى مياه صالحة للشرب وفي الوقت نفسه نتخلص من مياه يمكن الاستفادة منها مرة ثانية.
حمص مثال واضح على المشكلة
برزت هذه المشكلة بشكل مباشر في مدينة حمص خلال صيف 2026. ففي أغسطس أعلنت الشركة العامة لمياه الشرب أن منسوب نبع عين التنور الذي يعد المصدر الرئيسي لمياه الشرب في المدينة وأجزاء من ريفها انخفض بصورة حادة نتيجة الجفاف والتغيرات المناخية.
وبحسب الشركة كان منسوب النبع في مثل هذه الفترة يتراوح عادة بين 120 و140 سم بينما انخفض هذا العام إلى نحو 30–40 سم فقط. واضطرت الشركة إلى تنظيم ساعات وكميات الضخ وإدخال عشرات الآبار إلى الخدمة بحثاً عن مصادر إضافية ومع ذلك لم يكن ذلك كافياً لتعويض كامل النقص.
ووصل أثر الأزمة إلى الأسر مباشرة حيث اضطرت بعض العائلات في الأحياء المتأثرة إلى شراء المياه بواسطة الصهاريج نتيجة انخفاض الكميات الواصلة إلى الأبنية.
هذه التجربة توضح أن مشكلة المياه لم تعد قضية مستقبلية نتوقع حدوثها بل واقعاً نعيشه بالفعل وأن مواجهة المشكلة لا يمكن أن تعتمد فقط على زيادة الضخ وحفر المزيد من الآبار والبحث عن مصادر جديدة.
نحتاج بالتوازي إلى تغيير الطريقة التي نستخدم بها المياه الموجودة أصلاً.
من هنا جاءت مبادرت القطرة بقطرتين
الفكرة لا تعني مضاعفة كمية المياه المتاحة حرفياً وإنما مضاعفة الاستفادة من كل قطرة ممكنة.
مياه نظيفة ← استخدام أول ← جمع المياه الرمادية ← معالجة متطورة واقتصادية ← تخزين آمن ← استخدام ثانٍ ← وثالث وعاشر
وبدلاً من أن تغادر المياه المبنى بعد استخدامها مرة واحدة تصبح جزءاً من دورة مائية صغيرة داخل المبنى نفسه.
وهذا هو جوهر مبادرة القطرة بقطرتين:
أن نستخدم المياه بالجودة المناسبة للغرض المناسب وأن نعطي كل قطرة قابلة لإعادة الاستخدام فرصة ثانية
